top of page

وجه الحياة  - أحمد عبد اللطيف النجار

  • صورة الكاتب: Admin
    Admin
  • 6 يونيو 2017
  • 6 دقيقة قراءة

وجه الحياة - أحمد عبد اللطيف النجار ------------------------------------------

للحياة وجوه كثيرة ، وقد تصفو فيها أيامنا أو تملؤها غيوم الأحزان والصدمات ، وكما يقولون الدنيا لا تعطي الإنسان كل ما يتمناه ! تلك هي حكمة الله ومشيئته التي تخفي كثيرا من عباده ، والخير والشر وجهان لعملة واحدة هي عملة التجربة والاختبار ، فما تراه أنت خيرا قد يكون شراً كبيرا ينتظرك ( وعسي أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) . إذن فالخير والشر لا يرتبطان بالنية أو المستوى الاجتماعي والمادي للبشر ، وإنما بالمستوي الأخلاقي والديني . لذلك حثنا الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم علي قبول زواج من نرضي دينه وخُلقه ، وفي واقع حياتنا تجارب فاشلة لزيجات متهورة شقت فيها الفتاة عصا الطاعة علي أهلها ، فلم تجن سوى الندم والخسران المبين ! من هؤلاء عشت وعاصرت قصة الفتاة بسمة التي جاءتني وعلي وجهها الهدوء والسكينة والحذر قائلة : نشأت في أسرة مكونة من أربعة فتيات كنت أنا أصغرهن ، أما أبي فقد توفاه الله وأنا طفلة في المهد فلم أعرف عنه شيئاً سوى أنه ترك لنا ميراثاً كبيرا يكفل لنا حياة كريمة . كانت نشأتي مدللة وشققت طريقي في التعليم حتي تخرجت وتسلمت عملاً مرموقا في احدي المؤسسات الدولية في مصر . كنت في عملي متحفظة وليس لي أي علاقات مع الزملاء ولم يلفت نظرى أي شاب ، وكان عملي يقتضي مني أن أتعامل مع إحدى الهيئات الحكومية ، وهناك تعرفت علي شاكر وهو شاب في مثل عمري بدأ يشد انتباهي إليه بحديثه الشيق العذب في كل مجالات الحياة . بعد فترة قصيرة وجدته يطلب تحديد موعد لمقابلة أسرتي ، فسعدت كثيراً لذلك ، ونقلت رغبته لأسرتي فرحبوا به ، ولكن أمي طلبت بيانات عن شاكر وطلبت من عمي أن يسأل عنه . ساعتها تعجبت من ذلك ولم أر له داعيا لأن مظهره وأحاديثه يؤكدان أنه شاب علي خُلق ومن أسرة طيبة ! لكن نتيجة التحريات جاءت العكس تماماً ورفضت أمي الموافقة عليه وتضامنت معها شقيقاتي وكل أفراد العائلة . ساعتها خيّرتني أمي بين أسرتي وبين الزواج من شاكر ؛ فوجدتني أختار الزواج من شاكر وأخبرته أنني عرفت كل شيء عنه ولكني اخترته وتجاوزت عن كل ما عرفته عنه ، وأنني سأكون زوجته التي حُرمت من كل أسرتها لتعيش معه ! فابتسم ابتسامة ساحرة ، ومرت الشهور وكان شاكر يواسيني بكلامه المعسول قائلا لي انه سيعوضني عن فقدي لأسرتي وصديقاتي ، فبدأت أستعد للزواج وبعت كل ميراثي عن أبي لأن أمي رفضت مساعدتي نهائياً وأعلنت أنها ستحرمني من ميراثها ! استأجرت بنقودي شقة مناسبة وقمت بتأثيثها علي نفقتي لأن خطيبي شاكر لم يكن يملك مليماً واحدا يسهم به في التكاليف ! عشت أياما جميلة وأنا مشغولة بإعداد الشقة وشراء الأثاث والستائر ولم انتبه أو أهتم لخصام أمي لي وغضبها الصامت عنيّ رغم وجودي معها في بيت واحد !! حتي شقيقاتي آثروا الابتعاد عني وتجنبي لإرضاء أمي وسخطاُ منهن علي تصرفاتي ! انتهيت من إعداد الشقة وتم الزواج وقاطع أهلي حفل زفافي . تم زفافي إلي شاكر وزقزقت عصافير السعادة في عشنا الجميل !! مرت الأيام الأولي من شهر العسل رائعة جميلة محملة بالحب والسعادة . بعد شهر العسل بدأ زوجي شاكر يثور وبفقد أعصابه لأتفه الأسباب ولم يزعجني ذلك في البداية ، لكني انزعجت بشدة حين ثار بعد أيام بسبب تافه ، فإذا به يسبني ويسب أهلي وعائلتي بأفضع السباب ، ثم اندفع يحطم محتويات الشقة الجميلة !!! ساعتها وقفت مذهولة وبكيت كما لم أبك من قبل ، ورغم كل ماحدث فأنه حين اعتذر لي صالحته وغفرت له ما فعل آملة ألا يعود إلي ذلك مرة أخري ! لكن الهدوء لم يطل أياما معدودة وأصبحت هواية شاكر الذي بعت أسرتي من أجله هي أن يثور لأتفه سبب ثم يصفعني ويركلني ويضربني بوحشية ، وحين أذّكره أنني وحيدة لا أحد لي في الحياة غيره وأني هجرت أهلي من أجله ، يجيبني بقسوة أن ذلك هو خير ما فعلت كي ينفرد بي ويفعل معي ما يشاء !!!!! بعد شهور من زواجنا أحضر زوجي أباه وأمه ليعيشا معنا ويتركا الحي الشعبي البسيط الذي يعيشان فيه لأنهما لا يطيقان بُعده عنهم ، فلم أمانع فى ذلك ظناً أنهما من الممكن أن يؤثرا علي ابنهما ويسهم وجودهما معنا في حمايتي من أذاه الذي أصبح يتكرر كل يوم تقريباً . ولم أمانع أيضا في طلبه الاستقالة من عملي لرعايته ورعاية أبويه ، واستقلت وفقدت راتبي الذي حاولت تعويضه عن طريق بيع ميراث أبي المتبقي كلما ضاقت بي الحال ! وحدث عكس ما توقعته من أن وجود أبويه معنا سوف يخفف من أذاه لي وحمايتي ، بل أنه زاد انفعالاً وعصبية وعرفت من أبويه أن هذه العصبية الهوجاء هي طابعه منذ طفولته ، لكنه أخفاها عني بابتسامته العريضة وكلامه المعسول ! ثم صُعقت حين ضربني ذات مرة فاستغثت بأبيه لينقذني من بين يديه ، فإذا به يجيء وبدلاً من أن يحميني منه ينضم إليه ويحاول هو الآخر ضربي !! في تلك اللحظة أدركت كم أنا غبية لأنني تزوجت ذلك المخلوق المريض و نزلت معه لأسفل سافلين !! تصادف ذات يوم أن تقابلت مع احدي قريباتي التي أبلغتني أن أمي انتقلت إلي رحمة الله منذ شهور بعد أن مرضت بالشلل عقب زواجي رغما عن إرادتها ! ساعتها ارتج جسمي كله وصرخت من أعماقي وانهمرت دموعي كالمطر وظللت أبكي بلا انقطاع حتي عدت إلي البيت . مرت عليّ الأيام حزينة كئيبة وصورة أمي لا تفارقني ودموعي لا تتوقف عن الجريان ! أعطاني حزني علي أمي قوة لم أكن استشعرها في نفسي من قبل فبدأت لأول مرة بعد ثلاث سنوات من الذل والهوان أرفع صوتي في وجه زوجي وادافع عن نفسي وأثور لكرامتي وأدميتي اللتين أهدرهم ذلك المخلوق البشع ، وتجرأت ذات مرة فطلبت منه الطلاق ، وفوجئت به يوافق في نفس اللحظة وبلا أي مانع ، فتنازلت له عن حقوقي وعن الأثاث وعن الشقة ، وطلقني زوجي وودعني في مكتب المأذون بكلمات شامتة قاسية كشفت لي سر موافقته السريعة علي الطلاق ، فقد أبلغني أنه طلقني لأنه تأكد أن أمي قد حرمتني من ميراثها ، ثم قال : عودي إلي أهلك ذليلة لتعيشي خادمة عند شقيقاتك بعد أن فقدتِ كل شيء ! عدت إلي بيت أسرتي ذليلة مكسورة القلب والكرامة ، لا أملك من حطام الدنيا شيئا بعد أن بعت آخر ما تبقي من ميراث أبي !! فإذا بي أجد شقيقاتي وأزواجهن و أولادهن يستقبلونني بالأحضان والدموع والقبلات كأنني عائدة من سفر طويل ، وإذا بهم جميعاً حولي يخففون عني آلامي ويواسونني ، وتصر شقيقتي الكبري مديحة علي ألا تتركني في بيت الأسرة وحيدة وتأخذني لأعيش معها ذهبت معها وبدأت أضمد جراحي وانشغل عن آلامي بالحديث معها ومع أولادها وزوجها الفاضل وبرؤية صديقات العمر اللاتي انقطعت عنهن ! بعد فترة قصيرة فاجأني زوج شقيقتي مديحة بأنه قد نجح في إعادتي إلي وظيفتي السابقة لكي اشغل نفسي بعمل مفيد ، وبعد فترة فاجأني بأن كل ما بعته من ميراث أبي قد اشتراه لي عن طريق وسطاء وأعاد تسجيله باسمي لأنه بخبرته بالحياة عرف أن زواجي من هذا الشاب المريض الفاسد لن يطول وأنني سأعود إلي أسرتي مهما طال الوقت ، وحين سألته كيف سأسدد ثمن هذا الميراث ؛ فاجأتني شقيقتي مديحة بما لم أتوقعه أو أحلم به ، وهي أنه قد اتفقت مع شقيقاتي علي تجنيب نصيبي من ميراث أمي الذي وزع عليهن لأنه ليس من حقهن ولأن زوجها أكرمه الله رفض أن يدخل علي بيته وأولاده هذا المال الذي هو من حقي ! ساعتها لم أدر بنفسي وانسابت دموعي كالأنهار تأثراً من موقفهم الإنساني النبيل معي . لم يمض وقت طويل حتي عرضت عليّ شقيقتي وزوجها الفاضل الزواج من رجل فاضل من معارفهم توفيت زوجته وتركت له صبياً صغيرا ، فقبلت الزواج منه وأحببت ابنه كما لو كان ابني وأكثر . تزوجته وعرفت معني آخر للسعادة الزوجية القائمة علي الاحترام والمودة والرحمة واحترام مشاعر الطرف الآخر ، وبعد عام أنجبت ولدا فأصبح لي ولدان يتقاسمان قلبي مع أبيهم الذي أغرقني بعطفه وكرم أخلاقه ومحي من نفسي وروحي ما بقي من آثار تجربتي القديمة . والحمد لله كبر ولداي وتقدما في مراحل الدراسة وفي العمر وأنا أفخر بتفوقهما العلمي ، وكان أعظم درس حرصت علي أن اعلمه لهم هو ألا يخدعا أبداً فتاة وألا يساعدا أبداً فتاة علي الخروج عن طاعة أهلها بالكلام المعسول والمزخرف ، فيهدما سعادة أسرة متحابة تعيش في أمان ! تلك كانت قصة بسمة التي نستخلص منها الكثير والكثير من العبر والدروس ، أول تلك الدروس (( الثقة في أي إنسان عجز )) ! نعم فقد وثقت بسمة في ذلك الإنسان المريض نفسياً المدعو شاكر ولم يكن عند حسن ظنها ، بل كان أسوأ زوج في الوجود !!! ذلك لأنه إنسان متسلق بطبيعته يطيب له أن يعيش علي عرق النساء وليس لديه نخوة ولا أى سمة من سمات الرجولة ! ها قد رأينا المسكينة بسمة كيف عاشت معه في قهر ودموع متواصلة ليل نهار لأنها أساءت الاختيار وأساءت اتخاذ القرار السليم بتضحيتها بأمها وأهلها من أجل ذلك الصعلوك اللئيم !!! وتلك هي سنة العلاقات الإنسانية الأسرية ، نري فيها الخير والشر من عدة زوايا ووجوه ، بحيث تتجمع تلك الزوايا في وجه واحد هو وجه الحياة بخيرها وشرها ، بحلوها ومُرها !!! ولكل تجربة صعبة في حياتنا ثمن غال ندفعه من دمنا وأعصابنا ورصيدنا المتناقص من الأيام ! لعل وعسي تكون تجربة بسمة المؤلمة درسا لكل فتاة بألا تشق عصا الطاعة علي أهلها من أجل صعلوك جبان من صعاليك الإنس أغواها بكلامه المعسول ، وتركت الجميع من أجله !! لكن ما أثلج صدري حقاًهو موقف شقيقاتها منها ووقوفهن بجانبها في محنتها ومساعدتها علي عبور بحر الآلام والوصول بسلام إلي شاطئ الأمان ، وذلك هو حق الإخوة علي الإخوة ، تلك هي صلة الرحم والتراحم التي دعانا إليها رب العالمين . وهذا من حسن طالع بسمة أن سخّر الله لها قلوب شقيقاتها وأزواجهن ، فصاروا يشكلون جميعاً لوحة تعبيرية رائعة وفريدة من الإخلاص والوفاء والتراحم تزين لنا جميعاً وجه الحياة . ------------------------------------ أحمد عبد اللطيف النجار


تعليقات


© 2016 مؤسسات خليل الشامي الثقافية .  Wix.comابتكار 

bottom of page