top of page

مقطع من رواية: " ليت...! " - صفية قام

  • صورة الكاتب: Admin
    Admin
  • ١٨ ديسمبر ٢٠١٦
  • 6 دقائق قراءة

مقطع من رواية: " ليت...! " - صفية قام

----------------------------------------

... أطالت التفكير دون قدرة على التركيز، ولمّا هجرها النّوم وأضناها هاجس التخلّص من حملها الثقيل، طفقت تكتب... تكتب، دون كبح جماح نفسها المتألّمة المنكسرة حدّ التشظّي والتّيه...عليها أن تلفظ كلّ ما تروم قوله، بلا أدنى تلطيف أو مجاملة أو مخاتلة... عليها أن تقول له ما لم تقله قطّ... عليها أن تتقيّأ كلّ أوجاعها، فما عاد الصّمتُ يُجدي وما عاد الصّبر ينقذ، وقد نفد... لن تشفَى إلّا بهدم جدار الصّمت واجتثاث كلّ علامات الخوف ومبرّراته!

....وهي تمسك القلم بيد مرتعشة وقلب يرتعد وفرائص مزمجرة، خشيت على نفسها من أن تُجلَط، قبل أن تنجز كلّ ما يضطرم في نفسها؛ بيْد أنّ تصميمها على إبلاغ صوتها عاليا مدوّيا على ما هي عليه من شرود ذهنيّ وفتور جسديّ كان الأعتى. انساب القلم هادرا صاخبا مزمجرا: " إليك... يا... يا مَن كنت...!!! إليك آخر ما يمكن أن يُقال، عند الحشرجة، عساني أُبعَث من حريق جورك أبهى وأقوى... وعساك تخجل، يوما من نفسك الأمّارة بالدّنس، إن بقي لها بعض ذرّة من شهامة "الرّجال الرّجال" وأنفتهم واستماتتهم في الدّفاع عن حرماتهم والذّود عن بيوتهم... إليك ما تبقّى لي من رمق حياة هي الموتُ بعينه؛ ألا، يا... لا تَنُحْ على قبري، وقُلْ للملإ كلّهم إنّك قاتلي من حيث تدري ولا تدري! قل لهم، بلا خجل إنّك خنتَ عهدي، ودُستَني أيّ دوس... قل لهم، ولا تخجل، ودون أن يرفَّ لك جفن...! " ارتعشت اليد، وارتعدت الفرائص، وارتخى الجسدُ، وزاغت الرّؤية، وبكت العين دم الحرقة، وسقط القلم مغشيّا عليه، وامتزج بياض الورقة بنزيف الرّوح وهي تتلو آخر تعاويذ النّجاة من هاوية سحيقة مظلمة، تراها فاغرة فاها لالتهامها... تماسكت وظلّت مغمضة العينين تسير نحو جرف هار. تعالت إليها أصداء نُوَاح يردّده الكون بأسره! انتفضت وحملقت في المرآة المقابلة، فما ظفرتْ بغير شبحيْ وجهين مشوّهين دميمين! همست: " نوحي، يا نفس، نوحي... فنجم ذاك العشق قد أفل، واليوم تُشيَّع جنازته إلى الأبد! نوحي يا نفس وأَبِّني الفقيدَ، فقد تشفي المرثيّةُ الجراحَ! " وجدت نفسها تردّد هذه الكلمات، ولا تدري كيف نظمتها! عبّت جرعات ماء تطفئ بها ظمأ حارقا، وعادت إلى القلم تُداعبه بأناملها فيضحي مصباح علاء الدّين، يلبّي رغباتها ويسبّح بشجنها وأحلامها ويطوي معها مساحات البياض، رذاذا فهطلا! لا شيء تذوب فيه كما في رحيق رضاب هذا القلم المسكر، ولا أحد تتماهى معه كتماهيها مع هذا المؤنس عند الوحشة والملازم عند الشدّة! بسطت الورقة على مشدّ وضعته على ركبتيها وعدّلت جلستها على السّرير بإسناد ظهرها جيّدا إلى وسادتين، وشرعت تكتب: " إليك أكتبُ، يا... وقد تاه منّي الطّريق، ولا يزال يتيه، ولا شقيق روح لي ولا رفيق... وأنتَ تنام ملء جفنيكَ، غير بعيد عنّي، أتأبّط صمتي وصبري ووجعي المبرّح وأسري بجناح ليل وقيْظ، أبحث عن طريق وبعض ماء وظلّ نخلة، وأزهد في المنّ والسلوى! ظمئي المتوغّل في شراييني قتل فيّ كلّ ظمإ غيره أو رغبة في غير الرّحيل! ذي دموعي تطفئ لهب الحريق الّذي شبّ بين جوانحي، وأنا... أنا لا أعي ما يخبّئه لي ذاك الطّريق...لا أعلم غير أنّي حبيسة ضجري ولزوجة حمئي وخدر جسدي ووهن عمري وانسداد أفقي...! بسطتُ لكَ يدي، وما بسطتَ لي يدكَ، بل نتفتَ جناحيّ ريشة ريشة، فأدميتَني، ومن وجعي نسجتَ لي جلبابا لا يسعني ولا يدفئني وتركتني للزّمهرير، للعراء، للسّغب، لعطشي، وما كنتَ مباليا بمشاعري... جلّادا كنتَ، قذرا كنتَ، أخطبوط عناكب أمسكتَ برقبتي، خنقتَني وما عَبَأْتَ يوما بضجري، بوحدتي، بتشرّدي... دستَ ودستَ ودستَ... وأنا أغالب صبري وأُخرس أنيني بين أضلعي... ما هَمَّك يوما وجعي، ما همَّك يوما قلقي، ما همَّك يوما سغبي أو ظمئي...! أنانيّا كنتَ حدّ السّقم... سقيما كنتَ بسلوكك اللّاسويّ، خسيسا، نذلا كنتَ ولا تزال، بإهمالك الماء الزّلال وكرعك من مجاري مراحيض المومسات، وكلّ رخيص على مثله يقع، ولا ينهض إلّا ليقع على ما هو أرخص وأسوأ...! آسنا صار دمكَ، مهدورا بينهنّ، أنّى وجّهتَ بصرك، وروحك ـ إن ظلّت لك روح أصلا ـ صارت ملكا لشياطين جنونك ونزواتك وكبواتك وتجاوزاتك لكلّ التّخوم الحمراء... تشظّيتُ بعهرك المتكرّر الفاضح فلملمتُ شظاياي على مضض، وبصبر أيّوب تطهّرتُ من دنسك ورجسك وعمّدتُ روحي الطّاهرة بفضلٍ مِنْ عِشق كان لنا ودستَه برجسك... تخاتلني وتكذب جهارا، بل ليلَ نهار ككلّ فاسق ماجن توسوس له فذاذته النّادرة بأنّه قدير على طمس معالم الخيانة المرتسمة على وجهه وفي صوته وفي حركاته وسكناته...! أعترفُ بغبائي، لا، بل بطيبتي ولكنّي كنتُ واعية بعهرك وسفالتك، دون أن تكون لي براهين سوى ملامحك الّتي تصرخ خيانة مهما نمّقتَ قناعك... ما أعلمه عنك لا يشاركني فيه غير ربّ العالمين لأنّي تربّيت على حسن الخلق الّذي يدعوني إلى أن تستر الزوجة الصّالحة دوما عورة زوجها! ملأتْ عوراتك كلّ حياتي وطمستْ كلّ آفاقي وأنا صابرة، صابرة، صابرة حتّى ملّني الصبرُ وضجّ ...! مرارا تساءلتُ: هل أنا بلهاء أم فقدتُ الإحساس بالألم، منذ الطعنة الأولى فغبتُ عن هذا العالم الّذي سجنتَني فيه دونما رأفة؟ ! وبعد جدال وصراع مرير مع ذاتي وصفاتي، حاولتُ جاهدة أن أقنع نفسي بأنّي لا أزال أحبّكَ ولا يسعني أن أتنازل عنك، فغفرتُ لك ذنبك، ذنبك القبيح الّذي لا يُغفَرُ عادة! غفرته طوعا وبعد صراع طويل مرير مع كبريائي، علّ الله يهديكَ فتتوب عن جرائرك السّمجة الّتي لا يقبلها عرف ولا عقل...! وما كانت الهدنة تدوم بيننا إلّا قليلا، وكان الشكّ في إمكانيّة صلاحك ينخرني ويبعثرني مزقا، لأستفيق على كارثة أخرى وجريمة أخرى أشنع وأفظع من سابقاتها... كم تجرّدتُ من ذاتي وكسّرتُ مرآتي حتّى لا أرى صورتك البشعة تغتالني من جديد! الآن، وأنا أحاول أن أستوعب ما آل إليه أمري وأمرُكَ، تأخذني الدّهشة من نفسي: يا لهذا الجلَد، يا لهذه القوّة الّتي أُوتيتُ!!! كم حمدتُ ربّي على ما ابتلاني، وكم حسبتُني من الصّابرين الشّاكرين الفائزين، وكم بالصّلاة والدّعاء خفّ عنّي عبؤك الثّقيل، الثقيل جدّا، وكم احتميتُ من بطش دعارتك بتعاويذ التّجاوز حدّ تخوم النّسيان والضّياع... حتّى أنّي ما عدتُ أعرفني وسط أكداس القمامة المتراكمة في بيتي وخارجه، يزرعها فحلٌ دون أن يبالي بالعطن الّذي يزكم الأنوف والأرواح!!! ما عدتُ أعرف بمن ألوذ وقد لاذ بي الصّبرُ واستجار بي الصّدقُ وضحك منّي التّسامح حتّى أغمي عليه!!! ما عدتُ أعرف لي وجها ولا صورة ولا ظلّا بين فيالق الرّياء والجفاء...! لطالما حاولتُ أن أرسم لك صورة، صورة واحدة أراني فيها وإن خيالا أو طيفا أو حتّى شبحا، فما رأيتُ غير هباء، هباء، هباء منثور!!! وبجنون الغيرة الّتي ما كنتُ أعرفها فيّ، كنتُ أتلمّس ذاك الهباء فلا أظفر بغير حفنة رماد باردة كالموت وأطنان من الأوجاع تسحقني، تسحقني، تسحقني وأنا أكابر وأكابر... وأغتصب أنيني من صدري وأقطف دموعي من محاجري لأصنع بها مزيجا أخبّئه في قمقمي لوقت الحاجة، وهل ما زالت لي حاجة؟! ألم تَرْوِني بسمّك الزّؤام؟! ألم تُحطني بأسلاك شائكة من كلّ لون وشكل؟! أتذكر؟! أتُنكر؟! ما عاد جسدي، وقد هجرته يرضى بغير الظّمإ، وما عادت روحي، وقد كسَرْتَ كبرياءها ترغب بأيّ جرعة عدا اجتثاثك نهائيّا من حياتي، تلك هي الجرعة الوحيدة الشّافية!!! لن أذرف عليك دمعة واحدة، ولو كذبا!!! فكم ذرفتُ من كؤوس دمع عليك... وعليَّ، بلا جدوى!!! ثق أنّي، إن غلبني ضعفي وانكساري يوما وذرفتُ دمعا... فأنا لا أبكيكَ، بل أبكي نفسي وما فيه أضعتُ عمري وما أسلمتُ إليه أمري! لن أبكيك، لأنّك لم تحفظ لي شرفي وأضعتَ عمري...! سأمحوك من ذاكرتي، ما استطعتُ إلى ذلك سبيلا، فما أنتَ صنوي، وماكنتَ أهلا لي! فجيعتي عظمى، فكيف لي أن أتحمّل بعد اليوم كلّ أوزارك؟! فلْأعتبرْك كابوسا مزعجا، مزعجا جدّا بل قاتلا... غير أنّي سأنتفض من رمادي، وسأكون العنقاء الشّامخة العتيّة الّتي لا تبالي، وسأغنّي على الملإ أغنيّة عمري القتيل، أغنيّة تعرّيكَ ـ كما أنجبتك أمّك ـ وتعرّي تلك العاهرة الّتي لُذتَ بأحضانها هربا منّي فتعفّرتما بوحل آسن لن يطهّركما منه أقوى المبيدات...! قُلْ لي ماذا وجدتَ عندَها أفضل ممّا وجدتَه عندي؟! قلْ لي... ودعني أغنّ على الملإ أغنيّة سقوطك المهين...! قُلْ لي: ألا تخجل من نفسك ومن ابنيكَ ومنّي؟ !ألا تخجل، يوما من نكثكَ العهد؟! إنّي ليصيبني الغثيان منكَ ومن جاريتكَ، وأنا الحرّة الأبيّة الشامخة الّتي تحمّلتُ كلّ نزواتكَ وواريتها الضّلوع، إشفاقا عليك من ضعفك ومزاجك المتقلّب، ورحمة بابنَيَّ اللّذين علّمتهما أنّ أباهما فاضل وأنّ عليهما أن يتّخذاه قدوة حسنة، احتراما لمبادئ نشأتُ عليها وآمنتُ بها!!! ماذا أفعل بك اليوم وقد استنفدتُ كلّ حيلي؟! قل، انطق... اكذب آخر كذباتك عليّ... انتحل لنفسك أعذارا، فما أشدّ اقتدارك على المراوغات! هات ما تبقّى في جرابك من دمار! اصرخ كعادتك! اغضب! حمّلني مسؤوليّة بؤسك وشذوذك و...!!!

أيّها البائس السّافل، أتركك لعهرك وأفسح لك مجالا فسيحا لتراقص في صحوك وسكرك مزيدا من البغايا فإنّ الغربان لا تقع على غير أمثالها، والبوم لا يأنس إلّا بالبوم في أماكن الخراب! أمّا أنا، حرّة الحرائر فسأظلّ أغنّي مع مطلع الشمس وغروبها أغنية الخلاص، ذاك الّذي ليته كان منذ أمد، منذ وعيي بأنّك لستَ جديرا بي: لستَ جديرا بأحلامي... لستَ جديرا بوفائي وأنت الخائن، ولستَ جديرا بتعبي وأنت الأنانيّ الموغل في استغلال طيبتي وصبري وإيثاري...! سأظلّ أغنّي، دونك ما تبقّى من العمر! وهل يبكي عاقل على جثّةِ جيفةٍ نتنةٍ؟! وهل يأسف عاقل على من يحترف الخيانة دونما وجل أو حياء؟! ورغم أنّ جراحي غائرة ونزيفي يتدفّق فإنّي سأتغلّب عليها كما تغلّبتُ على سابقاتها بفضل قدرة خارقة لي على التّجاوز، هي من فضل ربّي ورحمته بي... ستبقى ندوب وخدوش تذكّرني ولا شكّ ببهاء رجولتك ونقاء فحولتك وصفاء عفّتك... لكنّها ستلتئم ولا شكّ!!! لن أقول: " وداعا بل إلى الجحيم وأكثِرْ من العهر، علّك تشفى!!! أمّا أنا فقد شُفيتُ اليوم من تأرجحي من شاهق بيني وبينك...! وآخر جرعات الشّفاء الّتي لا داء بعدها: أنتَ طالق! أنتَ طالق! أنت طالق! ودمتَ للعاهرات نبيّا وسندا...!!!" ضمّت الأوراق المبعثرة إليها ضمّا، وما كانت قادرة على إعادة ترتيبها أو مراجعتها. يكفيها أنّها نفثت فيها صليل وجعها كما استيقظ فيها، بلا ترتيب أو تعديل، ويكفيها أنّها كانت لها وعاء أمينا... كان العرق يتصبّب من جبينها، ولا حرارة مرتفعة! مدّت يدها الفاترة تمسحه، فإذا به بارد، بارد! أهو عرق الغلبة ــ كما تقول جدّتُها ــ أم عرق الشّفاء؟!


© 2016 مؤسسات خليل الشامي الثقافية .  Wix.comابتكار 

bottom of page