top of page

ظرف طارئ - بقلم سونيا بوقديدة / تونس

  • صورة الكاتب: Admin
    Admin
  • ١٩ أغسطس ٢٠١٦
  • 3 دقائق قراءة

- ظرف طارئ

فصل من رواية قيد الكتابة بقلم الأديبة التونسية سونيا بوقديدة

تطلعت الى المرآة فرأت وجها لم تره من زمن...غاب عنها لسنين... من اين جاء هذا الألق و البريق الذي بعينيها ؟...كيف لوجه شاحب كل هذا الدهر ان يزهر فجأة؟...و كيف لخدود فقدت بريقها ان تلمع و تبدو أجمل؟... من اين أتت هذه النظرات الزاهية و هذه الضحكة التي تعلو المحيا؟... قلبت قميصها على جسدها فبدا و كانه قيس عليها و صنع خصيصا لتضاريس جسمها التي نسيتها...الاحمر يليق بها..الاسود يزيدها نظارة و يبرز بياضها ...الزهري يختلط بلون الدم الذي يتصاعد الى بشرتها بعد ان يتلامس جسداهما...الأبيض يسدل عليها من خجله فيزيدها سحرا على سحر..جربت جميع الألوان فكان كل لون يبدو بعينيه احلى من الآخر. أحتارت ايهم تختار لتلبس الليلة فحبيبها تهيجه الألوان كما يهيجه صوتها وهي تقرأ له اشعار الغزل و الحب.فمذ دخل حياتها وهي تتغير و تحلى في اليوم الف مرة.كانت كالتلميذة في فصله علمها أبجديات العشق و الحنان و لقنها فنون الغزل و غمرتها عيناه بالدفء...سكن روحها و أنساها الماضي بألامه.اطلق الأنثى التىي بداخلها فصارت ايامها أملا بعدما كانت ألما و صارت شرابا بعدما كانت سرابا. هل يفعل الحب هذا؟...هل يحملك من النقيض الى النقيض؟ حين كان يرمقها بنظراته كانت تطير الى جنة نعيم ...و حين كان يغيب القمر كان وجهه يضيء كل العالم لديها.أسترقت النظر الى مرآتها وهي تسوي كحلها الذي سال مع دمعة حارة نزلت على خدها بدون ان تستأذنها.ترى اين كانت هذه الأنثى التي غابت عنها لسنين؟لما أمضت كل هذا الوقت وهي حبيسة في داخلها؟ و كيف أزاح الستار عنها و اخرجها من قمقمها الذي مكثت به عبر اسوار ضيقة خنقت قلبها؟ لماذا أخذتها مشاغل الحياة فأطفأت شعلتها؟؟؟ لماذا سرق منها الزمن روحها الجميلة و ابتسامتها و فرحها؟ لماذا كانت أيامها قاحلة و جافة وهي التي كانت مليئة بالحياة؟طائر الموت كان يحوم حولها الى أن عرف مكانها و دخلها و سبر أغوارها.حلت روحه فيها و لازمها سحر عينيه فآسرها حتى اللحظة...يصنع من ماضيها حاضرا أجمل و يسكن ثناياها بكل محطاتها فصار الحاضر و الآتي.... كان ادرى بمكانها و جاءتها أنفاسه ساخنة تنبض حبا لم يكنه لسواها فكلهن كن عابرات في حياته إلا هي التي كان يبحث عنها طول عمره... يا لهذا الزمن اللعين الذي لم يضم غير اللوعة و الفراق و الرحيل و الأحزان الكاذبة...لماذا لم يتقابلا من زمان!!! لماذا تحس بأن لحظاتها معه مسروقة...لحظات سعيدة و لكنها ليست دائمة...سرقتها من هذا الزمن الغادر... كل يوم يمر يزيد يقينها بجنون حبه..و تريد للزمن ان يعود الى الوراء علها تمسك به و لا تجعله يفارقها لحظة واحدة .أمسكت منديله الذي أعطاه لها آخر مرةلتمسح دمعة أخرى سالت على خدها الذي تورد لمجرد التفكير فيه.فهي ليست سوى عاشقة مسكينة تبحث عن الأمل في غياهب الألم.الفراق لم تعد تحتمله فما بالك بقلبها الذي اعياه السهر و الشوق.أتجهت صوب النافذة تحاول ان تشم عطره الذي يسبقه دائما لعل النسيم يحمله إليها....كان الشارع مظلما و لم تكن به حركة غير حفيف اوراق الأشجار ... و فجأة شق السكون مواء قطة و ارتفع صوت جرس الهاتف..جرت صوبه رافعة السماعة فجاء صوته من بعيد يعتذر لها عن التأخير و يعلمها بانه لن يأتي الليلة فقد جاءه ظرف طارئ أضطره للذهاب إلى العاصمة ليحل مشكلا في بيته الآخر.وضعت السماعة وهي تفكر في سخافة الأقدار فهل يأتي مرة أخرى من غير ميعاد يخلفه فقد سئمت معاناة الإنتظار و جحيم الفراق... تمددت على سريرها يضوع منها عطر في ارجاء الغرفة و ادارت وجهها الى الناحية الثانية من الوسادة بعد ان بللتها دموعها و سالت عليها الوان كحلها و احمر شفاهها و رمت بيدها المتثاقلة الى الأباجورة تطفئ نورها لتنام ولتحلم بغد يجئ فيه بدون ان يعتذرعن المجئ ....... يتبع....


© 2016 مؤسسات خليل الشامي الثقافية .  Wix.comابتكار 

bottom of page